
كيف أتخلص من التفكير الزائد؟ عندما يستمر عقلك في العمل حتى بعد انتهاء اليوم
تطفئين الضوء لأنك متعبة وتريدين النوم.
وبمجرد أن يهدأ كل شيء، يبدأ عقلك.
تتذكرين رسالة أرسلتِها قبل ساعات: هل كان ردي مناسبًا؟
موقفًا حدث في العمل: كان يجب أن أقول شيئًا آخر.
شيئًا عليك فعله غدًا.
قرارًا لم تحسميه بعد.
ثم، لسبب غير مفهوم، موقفًا محرجًا حدث قبل خمس سنوات.
الجسم في السرير. اليوم انتهى. لكن العقل يتصرف وكأن هناك اجتماعًا طارئًا يجب أن يستمر حتى الثانية صباحًا.
في اليوم التالي قد يحدث الشيء نفسه بطريقة أخرى. تفتحين الكمبيوتر لإنجاز مهمة، وبعد دقائق تكتشفين أنك تفكرين في ثلاث مشكلات أخرى. أو تعيدين تحليل محادثة عادية مرات كثيرة، وتحاولين الوصول إلى إجابة لا تعرفين أصلًا إن كانت موجودة.
هذا ما نصفه عادة بـ التفكير الزائد.
والسؤال الذي يأتي بعده مباشرة هو: كيف أوقفه؟
المشكلة أن محاولة إجبار العقل على التوقف قد تتحول هي نفسها إلى فكرة إضافية تشغلنا.
متى يتحول التفكير إلى تفكير زائد؟
التفكير بحد ذاته ليس المشكلة.
نحتاجه لكي نخطط ونراجع أخطاءنا ونتوقع النتائج ونحل المشكلات. وهناك أوقات يستحق فيها الموضوع فعلًا أن نجلس ونفكر فيه.
لكن هناك فرقًا يمكنك ملاحظته بين التفكير الذي يتحرك والتفكير الذي يدور في المكان نفسه.
لنفترض أن لديك قرارًا يتعلق بالعمل.
قد تفكرين:
ما الخيارات المتاحة؟
ما إيجابيات كل خيار؟
ما المعلومات التي تنقصني؟
متى يجب أن أتخذ القرار؟
بعد ذلك تصلين إلى خطوة يمكنك القيام بها.
أما التفكير الزائد فقد يبدو هكذا:
ماذا لو اخترت خطأ؟
وماذا لو ندمت؟
لماذا أصلًا لا أستطيع اتخاذ قرار؟
فلانة كانت ستعرف ماذا تفعل.
يمكن أنني دائمًا أفسد الأشياء.
طيب، ماذا لو حدث كذا؟
لكن ماذا لو حدث العكس؟
مرّت نصف ساعة.
ولم يظهر قرار ولا معلومة جديدة.
هذه علامة مفيدة جدًا: هل هذا التفكير يقودني إلى مكان، أم يعيدني إلى النقطة نفسها؟
لماذا لا يتوقف عقلي؟
ليس هناك سبب واحد.
أحيانًا نحاول من خلال التفكير أن نحصل على شيء لا يستطيع التفكير أن يضمنه لنا: اليقين.
نريد أن نعرف أن القرار صحيح قبل اتخاذه. أن الشخص الآخر لم يفهم كلامنا بطريقة خاطئة. أن المستقبل سيمشي كما خططنا. أن الشيء الذي نخاف منه لن يحدث.
فنراجع الاحتمالات مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
نشعر براحة صغيرة لأننا "نفعل شيئًا" تجاه المشكلة، لكننا في الحقيقة لم نحصل على اليقين الذي نبحث عنه. فنعود للتفكير.
وقد يرتبط التفكير المتكرر أيضًا بالقلق والضغط النفسي، خصوصًا عندما يصبح العقل أكثر انتباهًا للمشكلات والتهديدات المحتملة.
لكن من المهم ألا نحول كل تفكير زائد إلى تشخيص.
يمكن لإنسان أن يمر بأسبوع مزدحم أو قرار صعب أو مشكلة عائلية فيجد نفسه يفكر أكثر من المعتاد. وإذا أصبح التفكير المتكرر شديدًا أو مستمرًا ويؤثر في النوم أو العمل أو الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد مناقشته مع مختص في الصحة النفسية.
هناك فرق بين فترة مزدحمة في الرأس وبين مشكلة مستمرة تحتاج دعمًا.
شيء ألاحظه كثيرًا: نحاول إراحة العقل بالمزيد من المعلومات
تشعرين بالحيرة في قرار.
فتبحثين.
تشاهدين فيديو.
ثم فيديو آخر.
تقرئين تجارب الناس.
تسألين صديقة.
ثم تسألين شخصًا آخر لأن إجابة الصديقة الأولى لم تطمئنك تمامًا.
في النهاية أصبح لديك 17 رأيًا بدل المشكلة الواحدة التي بدأت بها.
المعلومات مفيدة عندما ينقصنا شيء محدد نحتاج إلى معرفته. لكنها قد تصبح وقودًا للتفكير عندما نستخدمها بحثًا عن ضمان لا يستطيع أحد إعطاءه لنا.
في بعض اللحظات، يكون السؤال المفيد:
هل أحتاج فعلًا إلى معلومة جديدة، أم أنني أبحث عن طمأنينة؟
الإجابة قد توفر عليك ساعة كاملة من البحث.
اكتبي الفكرة بدل أن تجعلي عقلك يحملها طوال الوقت
هذه واحدة من أبسط الأشياء التي يمكنك تجربتها.
إذا كان عقلك يعيد عليك:
"لا تنسي الاتصال غدًا."
اكتبيها.
إذا كان هناك قرار يشغلك، اكتبي السؤال نفسه.
إذا كان هناك شيء تخافين نسيانه، ضعيه في مكان تعرفين أنك ستعودين إليه.
الفكرة ليست أن الكتابة "تعالج التفكير الزائد". لكنها تقلل الحاجة إلى استخدام الذاكرة كمكان لتخزين كل شيء طوال الوقت.
وأحيانًا بمجرد رؤية الفكرة على الورق تكتشفين أنها أصغر مما كانت تبدو داخل رأسك.
افصلي بين المشكلة والسؤال الذي لا يمكن حله الآن
هناك أفكار يمكن تحويلها إلى فعل.
"لدي فاتورة يجب دفعها."
→ متى سأدفعها؟
"لدي مشكلة مع شخص."
→ هل أحتاج أن أتحدث معه؟
"لدي ثلاثة أشياء مهمة غدًا."
→ أيها سأبدأ به؟
هذه مشكلات يمكن التعامل معها.
لكن ماذا عن:
"ماذا لو لم تنجح خطتي بعد سنة؟"
أو:
"ماذا لو كان الشخص الذي تحدثت معه منزعجًا مني رغم أنه لم يقل شيئًا؟"
يمكنك قضاء ساعات في هذه الأسئلة دون الحصول على إجابة موثوقة.
جربي سؤالًا بسيطًا:
هل هناك شيء أستطيع فعله بشأن هذه الفكرة الآن؟
إذا كان نعم، حددي الفعل.
إذا كان لا، فهذا لا يجعل القلق يختفي فورًا، لكنه يوضح لك أن المزيد من التحليل لن يعطيك بالضرورة ما تبحثين عنه.
انتبهي إلى اللحظة التي يبدأ فيها التفكير
التفكير الزائد لا يحدث في فراغ.
راقبي نفسك لعدة أيام فقط.
متى يزيد؟
قبل النوم؟
بعد خلاف؟
عندما تكون لديك مهام كثيرة غير مكتملة؟
بعد قضاء وقت طويل على الهاتف؟
عندما تكونين وحدك؟
عندما تكونين مرهقة؟
قبل اتخاذ قرار؟
قد تكتشفين نمطًا لم تنتبهي إليه من قبل.
وهنا تظهر فكرة أهتم بها كثيرًا: قبل أن نحاول تغيير أنفسنا، من المفيد أن نفهم إيقاع ما يحدث معنا.
متى يبدأ؟
ما الذي يسبقه؟
ما الذي يزيده؟
وما الذي يخففه؟
هذه ليست أسئلة عميقة جدًا. هي مجرد ملاحظة. لكنها تعطينا بيانات أفضل من عبارة عامة مثل: "أنا أفكر كثيرًا."
أعيدي جسمك إلى الغرفة
عندما نكون غارقين في التفكير، يصبح انتباهنا كله تقريبًا داخل الرأس.
أحيانًا يساعد أن تعيدي جزءًا منه إلى ما يحدث حولك الآن.
قومي وامشي قليلًا.
اغسلي وجهك.
لاحظي قدميك على الأرض.
انظري حولك وسمّي الأشياء التي ترينها.
خذي أنفاسًا هادئة دون محاولة إجبار نفسك على "الاسترخاء المثالي".
الحركة، وتمارين التنفس والاسترخاء، وتقليل التحفيز قد تساعد بعض الناس على تخفيف التوتر. لكنها أدوات، وليست زرًا سحريًا لإغلاق الأفكار.
وأحيانًا يكون ما يحتاجه عقلك أبسط من ذلك بكثير: أن تضعي الهاتف بعيدًا وتتركي عشر دقائق تمر دون إدخال معلومة جديدة.
نحن نستهلك محتوى طوال اليوم ثم نستغرب أن الرأس مزدحم.
وإذا كان التفكير يبدأ عند النوم؟
هناك مفارقة مزعجة هنا.
كلما قلتِ لنفسك:
"لازم أنام الآن."
بدأتِ تراقبين الوقت.
"باقي ست ساعات."
ثم:
"الآن خمس ساعات ونصف."
ثم يبدأ القلق من أنك لن تنامي، فيصبح النوم أصعب.
إذا كان ذهنك مزدحمًا قبل النوم، جربي إخراج الأشياء المعلقة منه قبل أن تدخلي السرير.
اكتبي ما عليك غدًا.
اكتبي الأمر الذي يشغلك.
وإذا كانت هناك مشكلة لا تستطيعين حلها الليلة، اكتبي حرفيًا:
"سأعود لهذا غدًا."
قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها ترسم حدًا بين وقت التفكير ووقت الراحة.
كما أن الحفاظ على مواعيد نوم منتظمة وتقليل المنبهات والضوء والشاشات قرب النوم قد يساعد على تحسين النوم عمومًا.
أما الأرق المستمر، فلا يستحق أن نختصره في "أنا أفكر كثيرًا". له أسباب متعددة، وقد يحتاج إلى تقييم منفصل.
خصصي للتفكير وقتًا بدل أن يأخذ اليوم كله
هذه الفكرة تبدو غريبة في البداية:
بدل أن تحاولي منع التفكير، أعطيه موعدًا.
إذا ظهرت مشكلة أثناء العمل، اكتبيها.
ثم قولي:
سأجلس الساعة السادسة لمدة عشرين دقيقة لأفكر فيها.
وعندما يأتي الوقت، اجلسي فعلًا.
ما المشكلة؟
ما الذي أعرفه؟
ما الذي لا أعرفه؟
ما الخطوة التي أستطيع اتخاذها؟
وانتهي.
هذه الطريقة لن تناسب الجميع، لكنها قد تساعد في التفريق بين التفكير المقصود وبين الاجترار الذي يقتحم اليوم في أي لحظة.
لا تحاولي حل حياتك كلها وأنتِ منهكة
هناك قرارات تبدو كارثية في الحادية عشرة ليلًا، ثم تصبح عادية جدًا بعد الإفطار.
هذا لا يعني أن المشكلات وهمية.
يعني فقط أن الحالة التي نفكر منها تؤثر في الطريقة التي نرى بها المشكلة.
إذا كنتِ شديدة الإرهاق أو الجوع أو التوتر، وليس هناك قرار عاجل، فمن المقبول أن تقولي:
سأفكر في هذا غدًا.
التأجيل الواعي هنا مختلف عن الهروب.
أنتِ لا تتجاهلين المشكلة. فقط تختارين وقتًا تكون قدرتك على التعامل معها أفضل.
متى يستحق التفكير الزائد طلب المساعدة؟
إذا أصبحت الأفكار المتكررة تستهلك ساعات من يومك، أو تمنعك من النوم بشكل مستمر، أو تؤثر في العمل والعلاقات، أو يصاحبها قلق شديد أو مزاج منخفض أو سلوكيات تشعرين أنك لا تستطيعين التحكم بها، فالموضوع أكبر من نصائح تنظيمية على الإنترنت.
هنا يستحق الأمر الحديث مع مختص مؤهل.
وإذا ظهرت أفكار بإيذاء النفس أو شعرتِ أنك غير آمنة، فاطلبي مساعدة عاجلة.
جربي هذا اليوم، وليس كل شيء مرة واحدة
لا تحتاجين إلى تطبيق عشر تقنيات.
في المرة القادمة التي تلاحظين أن الفكرة عادت للمرة الخامسة، اسألي:
هل ظهرت معلومة جديدة منذ آخر مرة فكرت فيها؟
إذا لم تظهر، اسألي:
هل هناك فعل أستطيع القيام به الآن؟
إن وجد، افعليه أو اكتبيه.
وإن لم يوجد، لاحظي ذلك فقط.
قد يعود عقلك للفكرة بعد خمس دقائق. عادي. الهدف ليس أن تصبحي شخصًا لا يفكر كثيرًا ابتداءً من الليلة.
الهدف أن تبدئي في معرفة الفرق بين فكرة تحتاج منك انتباهًا وفكرة تطلب منك الدوران حولها للمرة العشرين.
وهذا جزء مما أقصده عندما أتحدث عن العودة إلى الإيقاع.
هناك وقت للتفكير، ووقت للفعل، ووقت لا نملك فيه الإجابة بعد. وهناك وقت يحتاج فيه العقل ببساطة أن يتوقف عن استقبال المزيد.
في كتاب «السمفونية الإلهية» أتوسع في فكرة الإيقاع في الإنسان والطبيعة، وكيف يمكن أن نبدأ بملاحظة إيقاع الجسد والعقل والنفس والروح بدل التعامل مع أنفسنا وكأننا يجب أن نبقى في حالة عمل مستمرة.
أما الآن، فلا تحاولي إيقاف كل أفكارك.
اختاري فقط الفكرة الأكثر إزعاجًا واسألي:
هل تحتاج مني فعلًا… أم أنها تريد مني فقط أن أفكر فيها مرة أخرى؟

.jpeg%3Fformat%3Davif%26quality%3D75&w=3840&q=75)


.jpeg%3Fformat%3Davif%26quality%3D75&w=3840&q=75)